مجموعة مؤلفين
92
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وليلى من الليل ، وهو زمان المعراج والإسراء والتنزلات الإلهية من العرش الرحماني بالألطاف الخفية إلى السماء الأقرب من القلب الأشوق ؛ وبمىّ - وهي الخرقاء التي لا تحسن العمل ، ومن لم يحسن العمل كان العامل غيره « واللّه خلقكم وما تعملون » أي ما يظهر على أيديكم من الأعمال التي هي مخلوقة للّه تعالى ؛ وغيلان هو ذو الرمة ، والرمة الحبل العتيق والحبل السبب الذي طولبنا بالاستمساك به والاعتصام ، ونسبته إلى القديم أمر محقق ، فإنه حبل اللّه وهو القديم الأزلي ؛ وذكر الغيلان - وهو شجر مشوك يتعلق بمن قرب منه ، ويمسكه عن أن يزول عنه حبا فيه وإيثارا ؛ وفيه من الراحة كون هذا الشجر مختصا ( في النص مختص ) بالفيافى التي لا نبات فيها ، المهلكة بقوة رمضائها وحرها ، فليس فيها ظل لسالك إلا هذه الشجرات : شجرات أم غيلان ، فيجدها في ذلك المقام رحمة ، فيلقى عليها ثوبه ، ويستظل ، فتمسكه بشوكها عن أن تمر به الرياح فينكشف لحر الشمس ، فكذلك ما يجده من الألطاف الخفية الإلهية في مقام تجريد التوحيد وتنزيه التقديس ، فأوقع التشبيه بالمناسب من هذا الوجه ؛ فلهذا سألهما أن يذكرا له هؤلاء الأشخاص من المحبين ليجمع بين حال المحبة ، وعلم حقائق هؤلاء المذكورين لأنهم كانوا محبين » ( ص 83 ) . . . ولو كان ابن عربى هو الذي أطلق من عنده هذه الأسماء : قيس ، ليلى ، مى - غيلان ، لجاز لنا القول إنه أراد بهذه الأسماء ما توحى به ألفاظها ؛ لكنها أسماء تاريخية لمحبين حقيقيين ، ذكرها لما بينه وبين أصحابها من شبه وهو « الحب » ، فكيف أمكن أن تجىء كلمة « قيس » رمزا للشدة ، أو رمزا للذكر ، وكلمة « ليلى » رمزا لليل الذي هو بدوره رمز للإسراء والمعراج ، وكلمة « غيلان » رمزا لكل هذا الذي أخذ يشققه ويستخرجه من « شجر الغيلان » ؟ ( ه ) رموز ترتكز على تداعى المعنى ، أي أن يكون بين الرمز والمرموز له رابطة معنوية ، تجعلهما شبيهين في الجوهر ، وهذه هي أقرب الأنواع إلى طبيعة العملية الرمزية حين تكون هذه العملية من أخص خصائص